الخميس، 16 يوليو 2015

عناقيد الغضب .. ( 29 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

تاريخ المسلمين .. تاريخ ( سلاح ) وليس ( سياسة )
رحلة طويلة خاضتها جماعة الحشاشين، منذ أن سيطر الحسن الصباح على قلعة آلموت، وحتى اندثار هذا التنظيم بدويلاته المختلفة فى فارس والشام، على يد المغول والمماليك، تحلل التنظيم واتجهت الأجيال الجديدة من الإسماعيلية النزارية إلى العمل الاقتصادى، وحاولت الابتعاد قدر الإمكان عن العمل السياسى، لكن ذلك لم يمنعها من تجسير صلتها بصناع القرار داخل دول العالم الإسلامى المختلفة، من خلال التبرعات والأعمال الخيرية، وغير ذلك من أمور، لكنها فى المجمل العام تابت عن العمل التنظيمى، وأصبحت فكرة العمل المسلح وفرق الاغتيال السياسى جزءاً من تاريخها، لكن يبقى أن ذهاب التنظيم لا يعنى زوال الفكرة، أقصد فكرة العمل المسلح، التى تجد لنفسها أرضاً خصبة فى الكثير من بلاد المسلمين، وما زالت الجماعات التى تؤمن بحمل السلاح فى وجه الحكومات، واستخدام الاغتيال كوسيلة لتصفية الخصوم السياسيين قائمة وموجودة.
وإذا كانت مصر قد شهدت مولد فكرة العمل المسلح على يد جماعة الحشاشين أواخر العصر الفاطمى، فما زال هذا البلد بيئة حاضنة لظهور مثل هذه الجماعات التى لم يعان منها مجتمع كما عانى المجتمع المصرى، فقد شهد التاريخ القريب ميلاد جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، التى لجأت إلى إنشاء جهاز خاص، يقوم بنفس الدور الذى كانت تقوم به فرق «الفداوية» الحشيشية فى تصفية الخصوم السياسيين بالسلاح، وفى الوقت الذى كان يقوم فيه الجهاز بذلك، لم تتباطأ كوادره عن المشاركة فى الحرب المقدسة التى خاضها العرب ضد العصابات الصهيونية عام 1948، والتى انتهت بقيام دولة إسرائيل، تماماً مثلما كان الحشاشون يقاومون الاحتلال الصليبى لبيت المقدس، ولا يتورعون بعد ذلك عن القيام بعمليات الاغتيال السياسى، ومن رحم الجهاز الخاص فى الإخوان خرجت العديد من عناقيد الغضب التى خاضت صراعاً مسلحاً ضد النظام الحاكم فى مصر بعد ثورة يوليو 1952، فى هذا السياق نستطيع أن نذكر محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر على يد الجهاز الخاص عام 1954، ثم تنظيم المرحوم سيد قطب عام 1965، الذى اتهم أيضاً بمحاولة اغتيال الرئيس وهدم نظام الدولة، تواتر بعد ذلك ظهور العديد من التنظيمات العنقودية على الساحة المصرية، كان من أبرزها تنظيم الفنية العسكرية الذى قاده صالح سرية، وحاول أعضاؤه اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1974، ثم كان تنظيم التكفير والهجرة بزعامة شكرى مصطفى الذى نجح فى اغتيال الدكتور محمد حسين الذهبى وزير الأوقاف الأسبق عام 1977، ثم تنظيم الجهاد الذى أسسه الدكتور عمر عبدالرحمن وتزعمه المهندس عبدالسلام فرج، ونجحت إحدى مجموعاته، المكونة من خالد الإسلامبولى وحسين عباس وعطا طايل حميدة، فى اغتيال الرئيس السادات فى حادث المنصة الشهير عام 1981.
فى كل الأحوال كانت تهمة «السعى إلى هدم الدولة المصرية» حاضرة وبقوة فى سجل الاتهامات الموجهة إلى كل هذه التنظيمات، مثلما كانت تهمة «السعى إلى هدم الدولة السلجوقية» توجه بصورة أساسية إلى جماعة «الحشاشين»، فالمواجهة دائماً بين «دولة وجماعة»، ويشخّص الدولة هنا السلطة الحاكمة التى لا ترى أن ثمة حلاً لهذه الظاهرة التى أصابت الجسد الوطنى سوى البتر، وبالتالى تحمل فى وجهها السلاح، انطلاقاً من أن هذه الجماعات تناوئ السلطة بالسلاح، ومؤكد أن سلاح الدولة أشد فتكاً وأن انتصارها عليها مهما طال الأمد يكاد يكون مضموناً، ولا تجد عبر تاريخ المواجهات بين «الدولة والجماعة» أى محاولات للاحتواء السياسى، لأن تاريخ السياسة فى الوجدان الإسلامى يكاد يكون بلا ملامح، فالمسلمون اجتهدوا فى شتى العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم، وكذلك فى العديد من علوم الدنيا، التاريخ يشهد على ذلك، لكن التاريخ يشهد أيضاً أن باب السياسة لم يكن مطروقاً بالدرجة الكافية لدى العقل المسلم، ولو أنك حاولت أن تتذكر كتاباً أبدعه المسلمون فى السياسة، فقد يكون بمقدورك، فى أقصى تقدير، استدعاء عنوان كتاب أو اثنين، لأن التاريخ الإسلامى تاريخ «سلاح» أكثر منه تاريخ «سياسة».
اندثر تنظيم الحشاشين، كما اندثر تنظيم الفنية العسكرية، والجهاد، والجماعة الإسلامية، وكما سيندثر تنظيم الإخوان، وتنظيم داعش، وغيرهما، لكن «فكرة حمل السلاح فى وجه السلطة» ستظل باقية ما بقيت الأجواء والظروف القادرة على احتضانها، فوجود المظالم واستخدام أساليب القهر والقمع كفيل بإنتاج جماعات السيف فى كل زمان ومكان، ولو فرضنا أن وجود المظالم هو الأمر الشائع فى دنيا الإنسان، فإن ظهور أو اختفاء جماعات السيف يرتبط بوجود قيادة قادرة على حشد وتنظيم الأتباع حول فكرة المظلومية، ولديها المهارة فى الحصول على مصادر للتمويل، وتتمتع بالرؤية والمنهجية التى تمكنها من تدريب الكوادر والعناصر التى انضمت إليها على القيام بعمليات اغتيال سياسى، إن وجدت هذه القيادة نشأت بالتبعية «جماعة سيف» تخوض جولة جديدة ضد السلطة القائمة التى تؤمن هى الأخرى بالسلاح، أكثر مما تؤمن بالسياسة، لتتمكن، بعد أن يلحق بالواقع خسائر عديدة ومتنوعة، من القضاء عليها، وتهدأ الأمور حتى حين، إلى أن تظهر قيادة جديدة، وهكذا تتواصل حلقات الدائرة المغلقة التى لن نستطيع الخروج منها إلا عندما نستوعب أن «السياسة» خير للناس من «السلاح»!

الأربعاء، 15 يوليو 2015

عناقيد الغضب .. ( 28 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

خـتـام الـرحـلـة .. الـقـاتـل الأجــيـر
مات «الحسن الصباح» أول من لُقّب بـ«شيخ الجبل»، وورثه فى هذا اللقب، كما ذكرت لك، الشيخ «راشد الدين سنان»، وإليه يعود الفضل فى إعادة إنتاج تجربة «آلموت» فى قلاع «مصياف» و«الخوابى» و«العليقة»، ليجعل منها نقطة انطلاق لتأسيس دولة الحشاشين فى الشام، وقد مكث «سنان» فى الحكم مدة تقارب، إلى حد كبير، المدة التى قضاها «الصباح» حاكماً لقلعة آلموت (35 عاماً)، وكان صلاح الدين الأيوبى هو أعدى أعداء الشيخ «سنان» بحكم عوامل كثيرة، من بينها الاختلاف المذهبى، واختلاف المصالح ما بين الطرفين، خصوصاً فيما يتعلق بالسيطرة على الشام، وهو ما كان يسعى إليه كل من صلاح الدين من ناحية، والحشاشون من ناحية أخرى، ولو على حساب «نور الدين محمود بن زنكى» والأمراء «الزنكيين» الذين خلفوه، ومع ذلك فقد كان صلاح الدين كثير اللجوء إلى «الحشاشين» لتنفيذ عمليات اغتيال يكلفهم بها، وتمثلت أخطر عملية اغتيال قام بها الحشاشون تحت زعامة الشيخ «سنان» فى اغتيال الماركيز «كونراد» ملك بيت المقدس، حين كان فى مدينة صور، ومن الملفت أن تجد أنهم رفضوا فى الوقت نفسه طلب صلاح الدين باغتيال «ريتشارد قلب الأسد» ملك إنجلترا، خوفاً من يهدأ بال السلطان من ناحية الصليبيين فيتفرغ للحشاشين، هكذا يرى «ابن كثير».
فى المجمل العام كان اغتيال الماركيز «كونراد» هو أخطر العمليات التى يحفل بها سجل اغتيالات الشيخ «سنان»، وكما بدأ الضعف يدب -بعد قوة ومنعة- فى صفوف الحشاشين بفارس عقب موت «الحسن الصباح»، حدث الأمر نفسه بالنسبة للحشاشين فى سوريا بعد وفاة الشيخ «رشاد الدين سنان»، فقد كان خلفاؤه أقل مهارة وقدرة منه، وأصبحوا يعملون تحت تبعية قلعة «آلموت»، وبعد أن سقطت القلعة وانتهت دويلة الحشاشين على أيدى المغول هناك، سارع الحشاشون بسوريا إلى إعلان خضوعهم التام للسلطان «بيبرس»، وقاتلوا التتار إلى جوار المسلمين، لكن السلطان لم يكن له أن يقبل استمرار «جيب النقمة» الحشيشى فى العمل داخل سوريا، ولم يكن لدى الحشاشين فى الشام -فى المقابل- أى قدرة على المقاومة بعد سقوط «آلموت»، فأصبح «بيبرس» يتحكم فيهم إلى حد أنه أصبح مسئولاً عن تعيين رؤسائهم وشيوخهم، وتحول أغلب «الحشاشين» إلى قتلة بالأجر فى عصر السلطان «بيبرس»، إذ كثيراً ما كان يستأجرهم المماليك لاغتيال وتصفية خصومهم السياسيين، فانتهت سيرتهم إلى مجرد «مرتزقة» يضعون قدرتهم على تنفيذ العمليات القذرة بين يدى من يدفع الثمن، وتحكى كتب التاريخ أن ثمن الدم كان يقبضه الحشاش إذا نفذ عملية الاغتيال المطلوبة ونجا من القتل بعدها، وإذا كانت الثانية وقُتل أو وقع فى الأسر كان المال يعطى لأسرته وورثته، لكن ذلك كله لم يشفع للحشاشين، إذ أُعملت فيهم يد القتل فى كل الاتجاهات، فبالغ السلطان «بيبرس» فى محاصرتهم ومطاردتهم فى سوريا، وارتكب المغول العديد من المذابح فى حقهم فى فارس، ولم يعد أمامهم سوى الهجرة والفرار، وترك القلاع والجبال والعيش بشكل سرى ومتخف وسط الناس، وكان ترك الحشاشين للقلاع والجبال إيذاناً بانتهاء رحلة حمل السلاح.
هاجر أغلب الحشاشين من بلاد فارس إلى الهند، وأصبح كل همهم المحافظة على حياتهم، والعيش كمواطنين مسالمين وسط غيرهم، وتركت الأجيال الجديدة منهم السياسة تماماً وبدأوا يتفرغون للأمور الاقتصادية، ويمارسون التجارة، وجنوا من وراء ذلك أرباحاً كثيرة، وبدلاً من الأئمة وكبار الفداوية بدأت تظهر أسماء العديد من الأغنياء بين أتباع الحشاشين، ومن ناحيتهم مارس الأغنياء بتصورات الأقلية التى تعيش فى قلب أغلبية تفوقها عدداً، وتجد أن الوسيلة الأبرز للقوة وللعيش بين الأغلبية هى المال، أما فقراء الحشاشين فقد حاولوا ممارسة الدعوة بين فقراء الهند والدول الأخرى التى هاجروا إليها، لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق إنجاز ذى قيمة على هذا المستوى، بعد أن فقدت الفكرة زخمها، وعدمت وجود قيادات قادرة ومؤثرة، مثل الحسن الصباح أو الشيخ «سنان»، تجمع بين الزعامتين السياسية والروحية، كانت أسماء بعض الأئمة تظهر من حين إلى آخر، لكنها بقيت فى الأول والآخر مجرد قيادات روحية، تبتعد قدر المستطاع عن ممارسة أى أنشطة سياسية، وانتقل مقر الإمامة «النزارية» من فارس بشكل نهائى عندما غادر الإمام النزارى حسن على شاه أرض أجداده، وانتقل إلى الهند، واستقر بين أتباعه الذين هاجروا إلى هناك، وأصبح لقبه الرسمى هو «الأغا خان»، وهو اللقب الذى حصل عليه من أحد ملوك الفرس، وأصبح «الأغا خان» بعد ذلك هو اللقب الرسمى لأئمة النزارية بعد «حسن على شاه».
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن أصبح أتباع الإسماعيلية النزارية يوصفون بأنهم «أتباع الأغا خان»، فى حين يطلق على «الإسماعيلية المستعلية» الموجودين الآن وصف «البهرة»، وكلتا الفرقتين أبعد ما يكون عن العمل السياسى فى الوقت الحالى، فأغلب نشاطاتها اقتصادية وخيرية، وتهتم طائفة البهرة بترميم مساجد آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم، ورعايتها، وقد قامت رموز الطائفة بعدة زيارات لمصر، التقوا خلالها قيادات مصرية عديدة، وإليهم يعود الفضل فى تجديد ضريح السيدة زينب بنت على رضى الله عنها، وكذا ضريح الإمام الحسين رضى الله عنه بالقاهرة.

عناقيد الغضب .. ( 27 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

مـذبـحـة الـمـيـدان
كل ما له بداية لا بد أن تكون له نهاية، وكلما صعدت ظاهرة معينة كان ذلك نذيراً بانحدارها ولو بعد حين، وقد بدأت تجربة الحشاشين قوية ناهضة فى بدايات تدشينها على يد الحسن الصباح، الرجل الذى استطاع بلورة الفكرة والتنظيم، فصاغ خطاباً سياسياً ودعوياً يتحلق حول فكرة المظلومية التى وقعت على «الإسماعيلية النزارية»، وأسس عليها رؤية لم تزل باقية فى الوجدان المسلم، وتربط بين «المظلومية» و«حمل السلاح» فى وجه الخصوم، وتغطية الأهداف السياسية بشعارات دينية، والاعتماد على «الاغتيال السياسى» كوسيلة للسيطرة، وكأداة للارتزاق فى بعض الأحوال. يقول «برنارد لويس»، فى كتابه «الحشاشون»: «ونجد فى قائمة الشرف التى تحوى اغتيالات الحشاشين التى عُثر عليها بقلعة آلموت حوالى 50 حالة أثناء حكم الحسن الصباح، تبدأ بالوزير نظام الملك، وأكثر من نصف هؤلاء الضحايا ينتمون إلى هذه الفترة». هذا العدد (50 حالة) الذى يتحدث عنه «برنارد» ليس بالعدد الكبير بالطبع، إذا أخذنا فى الاعتبار أن الحسن الصباح عاش (35 عاماً)، ويعنى هذا الرقم أن «الصباح»، خلافاً لدعاة حمل السلاح من بعده، كان يحتاط أشد الاحتياط فى القتل، وأن سلاح الاغتيال فى عصره كان يتوجه بشكل محدد نحو الخصوم السياسيين، أو الشخصيات التى يقبض التنظيم ثمن اغتيالها، سواء كان الثمن مالاً أو تمكيناً لهم داخل أروقة الدولة السلجوقية، ولم تكن الخناجر تتوجه بحال إلى الأهالى العاديين.
وقد استطاع الحشاشون الاقتراب من بلاط الحكم السلجوقى فى عهد السلطان «بركيارق بن ملكشاه»، ساعدهم على ذلك دعمهم له، فى مواجهة منافسيه على السلطة، وقد زرع هذا التحول لدى بعضهم إحساساً بالتمكين، وشعروا أن الجميع يخشاهم، بعد أن أصبحوا يتجولون فى قصر الحكم كما يشاءون، وقد كان القادة والأمراء يخشون الحشاشين بالفعل أشد الخشية خلال هذه الفترة. يصف «ابن الأثير» حالة التمدد والتمكن التى حظى بها الحشاشون حينذاك قائلاً: «فلما ظفر السلطان بركيارق، وهزم أخاه السلطان محمداً، وقُتل مؤيد الملك وزيره، انبسط جماعة منهم -أى الحشاشين- فى العسكر، واستغووا كثيراً منهم، وأدخلوهم فى مذهبهم، وكادوا يظهرون بالكثرة والقوة، وحصل بالعسكر منهم طائفة من وجوههم، وزاد أمرهم، فصاروا يتهددون من لا يوافقهم بالقتل، فصار يخافهم من يخالفهم، حتى إنهم لم يتجاسر أحد منهم، لا أمير ولا متقدم، على الخروج من منزله حاسراً، بل يلبس تحت ثيابه درعاً، حتى إن الوزير الأعز أبا المحاسن كان يلبس زردية (درعاً) تحت ثيابه، واستأذن السلطان بركيارق خواصُه فى الدخول عليه بسلاحهم، وعرفوه خوفهم ممن يقاتلهم، فأذن لهم فى ذلك». لقد بلغ الخوف من الحشاشين مبلغه لدى الكبار، وهذا ما تستوعب أغلب جماعات السيف خطورته، حين تشعر أن الزمان أعطاها وجهه، فتجدها تفتقر إلى الحكمة فى تهذيب طموحاتها فى السيطرة والاستحواذ، فتكون عاقبتها خسارة كل شىء، والتعرض لمذابح ومجازر على يد سلطة الدولة التى يسهل عليها فى كل زمان ومكان الاستبداد بأى جماعة أياً كانت درجة قوتها.
نشطت حاشية السلطان «بركيارق» فى تحذيره من حالة التمدد التى حظى بها الحشاشون داخل بلاط حكمه، وأقنعوه بحقهم فى حمل السلاح، دفاعاً عن أنفسهم ضد محاولات الاغتيال التى يقومون بها. ويشير «ابن الأثير» إلى أنهم أشاروا عليه أن يفتك بهم، قبل أن يعجز عن تلافى أمرهم، وأعلموه ما يتهمه به الناس من الميل إلى مذهبهم، حتى إن عسكر أخيه السلطان محمد يشنعون بذلك، ويقولون يا باطنية، فاجتمعت هذه البواعث كلها، فأذن السلطان فى قتلهم، والفتك بهم، وركب هو والعسكر معه، وطلبوهم، وأخذوا جماعة من خيامهم، ولم يفلت منهم إلا من لم يعرف، وأُخرج الجماعة المتهمون إلى الميدان فقُتلوا، وقُتل منهم جماعة براء لم يكونوا منهم، سعى بهم أعداؤهم. العبارات التى استخدمها «ابن الأثير» تدلل على أن مذبحة الميدان كانت مروعة، وأنه لم يفلت منها أحد من الحشاشين، بل ويقول المؤرخ العربى الشهير إن جماعة من الأبرياء لقوا حتفهم فى هذه المذبحة، وما أكثر ما يقع ذلك حين تنشب السلطة مخالبها فى وجه جماعة كانت تتسكع فى أروقتها بالأمس، إنها تتعامل فى هذه الحالة بدرجة واضحة من القسوة، وكأنها تعاقب على تاريخ كامل وليس على واقعة بذاتها أو فترة زمنية بعينها، لذلك تجد أن من الوارد جداً أن تسقط دماء بريئة فى خضم العقاب، وذلك ما تعرض له البعض فى مذبحة الميدان التى تمت فى حق جماعة الحشاشين.
تعرضت الجماعة بعد هذه المذبحة لنكسة كبيرة، ولم يعد لديها القدرة على العمل، بما فى ذلك مجموعات «الفداوية»، وظل الحال على ذلك فترة من الوقت، حتى استعادت نشاطها وقدرتها، وبدأت الدولة السلجوقية تخوض معها صراعاً طويل الأمد، وتراوح حال حملة السيف من الحشاشين ما بين الانتصار حيناً، والانكسار فى أحيان، وكانت بداية النهاية بوفاة المؤسس الأول للجماعة «الحسن الصباح» بعد أن مرض مرضاً شديداً، فأخذ منحنى القوة لدى الحشاشين يهبط إلى أسفل، نعم كان يعلو أحياناً، ولكن ليس كثيراً، حتى وضع التتار نهاية هذا التنظيم عندما اجتاحوا قلاعه، وأنهوا وجوده التنظيمى داخل بلاد فارس، وجعلوه مجرد صفحة من صفحات تاريخ الاغتيال السياسى.

عناقيد الغضب .. ( 26 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

( ابن نجية ) ينقذ ( صلاح الدين ) من مؤامرة كبرى
وجد «صلاح الدين» نفسه فى مأزق، عندما علم أن «نورالدين» لم يقتنع بحديثه عن وجود مؤامرة شيعية تحاك ضده فى مصر، وتقتضى منه العودة إليها حتى لا ترجع البلاد إلى الحظيرة الفاطمية. ولما سمع عن عزم «نورالدين» المجىء إليه بمصر، جمع أهله، وفيهم أبوه نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمى، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من عزم «نورالدين» وحركته إليه -كما يحكى «ابن الأثير»- واستشارهم، فلم يجبه أحد بكلمة واحدة، فقام تقى الدين عمر ابن أخى صلاح الدين فقال: إذا جاءنا قاتلناه، ومنعناه عن البلاد؛ ووافقه غيره من أهلهم، فشتم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك، واستعظمه، وشتم تقى الدين وأقعده، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثر محبة لك من جميع ما ترى، ووالله لو رأيت أنا وخالك نور الدين، لم يمكننا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنك بغيرنا؟. وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده، لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوابه بها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا؛ والرأى أن تكتب كتاباً إليه، تقول فيه: بلغنى بأنك تريد الحركة لأجل البلاد، فأى حاجة إلى هذا؟. يرسل المولى نجاباً يضع فى رقبتى منديلاً ويأخذنى إليك، وما ها هنا من يمنع عليك. وقام الأمراء وغيرهم وتفرقوا على هذا، فلما خلا أيوب بصلاح الدين قال له: بأى عقل فعلت هذا؟. أما تعلم أن «نورالدين» إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه إليه، وحينئذ لا تقوى به؟. وأما الآن، إذا بلغه ما جرى وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا؛ والأقدار تعمل عملها. والله لو أراد «نورالدين» قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل.
تشير المحاورة السابقة إلى أن العائلة الأيوبية كانت راسخة القدم فى المجال السياسى، وكان ذلك واحداً من أسرار قدرتها على الوصول إلى السلطة فى مصر والرسوخ فوق كرسيها، واتخاذها نقطة انطلاق لتحقيق العديد من الأمجاد السياسية والعسكرية فى الشام. كان الناصر «صلاح الدين» يضع السلطة نصب عينيه، ويناور بكل السبل للحفاظ عليها، حتى لو اضطره ذلك إلى التعامل مع خصومه من أبناء المذهب «الإسماعيلى» الذى قضى عليه فى مصر، أو ألزمه بتأجيل بعض مشروعاته وطموحاته العسكرية. لم يكن من السهولة بمكان أن يقع «صلاح الدين» فى فخ عداء خاسر مع «نور الدين محمود» المتسلطن على الشام، الذى كان يملك خلعه عن ملك مصر حين يشاء، لم يكن ذلك ممكناً وإلى جواره داهية مثل أبيه «نجم الدين أيوب» الذى يفهم جيداً فى شئون القصور، وكيفية تسريب أسرارها إلى الخصوم، لذلك نجده يرفض رفضاً قاطعاً التجرؤ -ولو بالكلام- على «نورالدين»، ويؤكد أنه وابنه سوف يذهبان إليه طائعين، ويريحانه من مؤنة المجىء لإخراج صلاح الدين من مصر، رغم أنه كان يضمر له كراهية شديدة إلى حد أن قال لولده «صلاح الدين»: «والله لو أراد نورالدين قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل». إنها السياسة التى لا تعرف العداءات المطلقة أو الصداقات المطلقة، هى السياسة التى لا تعرف سوى المصالح الدائمة. وقد نجحت حيلة «نجم الدين أيوب» فى تبريد غضب «نورالدين محمود» ليستقر وضع صلاح الدين على كرسى الحكم.
أنقذ الحس السياسى المرهف لصلاح الدين العرش مرة أخرى من خطر لم يكن مصدره الشام، بل مصر نفسها، وذلك فى المؤامرة العلوية التى دبرها مجموعة من الشيعة الإسماعيلية فى مصر، من بينهم -كما يروى ابن الأثير- عمارة بن أبى الحسن اليمنى الشاعر، وعبدالصمد الكاتب، والقاضى العويرس، وداعى الدعاة، وغيرهم من جند المصريين ورجالهم السودان، وحاشية القصر، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية، ومن ساحل الشام إلى ديار مصر، على شىء بذلوه لهم من المال والبلاد، فإذا قصدوا البلاد، وخرج إليهم صلاح الدين بنفسه ثاروا هم بالقاهرة ومصر، وأعادوا الدولة العلوية، لكن تم إحباط المؤامرة على يد الأمير زين الدين على بن نجا الواعظ، المعروف بابن نجية، الذى انضم لهم، ولم تعجبه خلافاتهم على المناصب قبل الوصول إلى الحكم، فوشى بهم إلى صلاح الدين، فطلب منه الأخير أن يجاريهم ويبلغه بما عزموا عليه من خطوات، وانتهى الأمر بالقبض عليهم وصلبهم، ويشير «ابن الأثير» إلى ذلك قائلاً: «فقام صلاح الدين وأخذ الجماعة وقررهم، فأقروا، فأمر بصلبهم، ونودى فى أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصى الصعيد، واحتيط على من بالقصر من سلالة العاضد وغيره من أهله. كانت تلك المؤامرة من أكثر المؤامرات إحكاماً على صلاح الدين، إذ شارك فيها مدنيون وعسكريون، ومصريون وأجانب، لكن الاكتشاف المبكر لها، على يد «ابن نجية»، مكّن صلاح الدين من إدارتها بدرجة كبيرة من الحذق السياسى، لينجو منها على يد «ابن نجية»!.

عناقيد الغضب .. ( 25 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

صلاح الدين يترك قتال الصليبين ليحافظ على عرش مصر
لم يسكت الحشاشون عن صلاح الدين بعد فشل محاولتهم الأولى لاغتياله أثناء حصاره لقلعة حلب، فحاولوا اغتياله مرة ثانية خلال حصاره لقلعة «إعزاز». يحكى «ابن الأثير» تفاصيل هذه الواقعة قائلاً: «لما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى قلعة إعزاز، فنازلها ثالث ذى القعدة، وهى من أحصن القلاع وأمنعها، فنازلها وحاصرها، وأحاط بها وضيق على من فيها ونصب عليها المجانيق، وقُتل عليها كثير من العسكر؛ فبينما صلاح الدين يوماً فى خيمة لبعض أمرائه يقال له جاولى، وهو مقدم الطائفة الأسدية، إذ وثب عليه باطنى فضربه بسكين فى رأسه فجرحه، فلولا أن المغفر (درع واق للرأس) كانت تحت القلنسوة لقتله، فأمسك صلاح الدين يد الباطنى بيده، إلا لأنه لم يقدر على منعه من الضرب بالكلية، إنما يضرب ضرباً ضعيفاً، فبقى الباطنى يضربه فى رقبته بالسكين، وكان عليه كزاغند (غطاء الصدر الذى يلبسه المحاربون) فكانت الضربات تقع فى زيق الكزاغند فتقطعه، والزرد (أى الدرع) يمنعها من الوصول إلى رقبته، لبعد أجله، فجاء أمير من أمرائه اسمه يازكش، فأمسك السكين بكفه فجرحه الباطنى، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطنى، وجاء آخر من الإسماعيلية فقتل أيضاً، وثالث فقُتل، وركب صلاح الدين إلى خيمته كالمذعور لا يصدق بنجاته، ثم اعتبر (فرز) جنده، فمن أنكره أبعده، ومن عرفه أقره على خدمته».
هذه المحاولة لاغتيال «صلاح الدين» على يد الحشاشين اختلفت عن سابقتها، فقد كانت أشد شراسة، إذ استطاع القاتل أن يقترب من عنق ورأس صلاح الدين، لكن دخول أحد الأمراء «يازكش» وانقضاضه على «الباطنى» أدى إلى إفشال المهمة، ونجاة السلطان من القتل، ليركب صلاح الدين إلى خيمته مذعوراً، على حد تعبير «ابن الأثير». ولم يسع «الحشاشون» إلى حصد أموال أو الحصول على ثمن مقابل هذه المحاولة التى يمكن القول بأنها جاءت فى إطار الصراعات السياسية والعسكرية للسيطرة على الشام، والتى كان لها أطراف ثلاثة تمثلت فى: الحشاشين، وصلاح الدين، والغزاة الصليبيين، وقد يقول قائل إن الطرفين السنى والشيعى (الحشاشون وصلاح الدين) كانا يتحدان فى الأغلب فى مواجهة العدو الصليبى، وهذا الكلام غير دقيق، وقد رأيت كيف أن الشيخ «سنان» رفض اغتيال «ريتشارد» ملك انجلترا، رغم قدرته على ذلك، خوفاً من أن يخلى الطريق أمام صلاح الدين للسيطرة على الشام، والتحول إلى الحشاشين بعد الانتهاء من الصليبيين. وقد كان صلاح الدين يؤدى بنفس الطريقة، فكان يُقدم ويُحجم عن خوض الصراعات العسكرية مع الصليبيين تبعاً لمقتضيات المصلحة، ومتطلبات الاستمرار على كرسى الحكم. يذكر «ابن الأثير» أن «صلاح الدين خرج إلى بلاد الفرنج غازياً، ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، وضيق على من به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام، فأجابهم إلى ذلك. فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصداً بلاد الفرنج ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نورالدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونورالدين من جانب، ملكها، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نورالدين، وإن جاء نورالدين إليك وأنت هاهنا، فلا بد لك من الاجتماع به، وحينئذ يكون هو المتحكم فيك بما شاء، إن شاء تركك وإن شاء عزلك، فقد لا تقدر على الامتناع عليه؛ والمصلحة الرجوع إلى مصر. فرحل عن الشوبك عائداً إلى مصر».
رفع صلاح الدين حصاره عن الصليبيين وأفسح لهم الطريق حتى لا يسمح لنورالدين محمود الذى وضعه على رأس السلطة فى مصر، بالسيطرة على الشام، فعل ذلك رغم أن قتال الصليبيين كان قضيته الكبرى، كما تحكى كتب التاريخ، ويبدو أن الأمر لم يكن كذلك بصورة مطلقة، إذ كانت قضية الحكم تشغل حيزاً لا بأس به من اهتمام صلاح الدين، يدل على ذلك أنه عندما قرر الانسحاب من «الشوبك» بعد السيطرة عليها والعودة إلى مصر، كتب إلى نور الدين محمود يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض الشيعة العلويين هناك، وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوى أهلها على من تخلف بها، وأن يخرجوهم وتعود ممتنعة، وأطال الاعتذار، فلم يقبل نور الدين اعتذاره، وتغير عليه وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها».
كان التمحك بشيعة مصر الذين ينتظرون اللحظة المواتية للانقضاض على الحكم الحجة الأقرب التى حاول صلاح الدين التذرع بها لتبرير انسحابه أمام الصليبيين، وعدم تمكين نورالدين محمود من الإطباق عليهم، وهى حجة لم تقنع «نورالدين»، لأن صلاح الدين كان ربيبه وكان يفهمه جيداً، ويعلم أن الذى صرفه عن الاستمرار فى محاصرة «شوبك» هو الخوف من تمكن «نورالدين» من رقبته، بعد أن يتمكن من الصليبيين، وليس بسبب الفتنة العلوية التى تتهدده فى مصر، لذلك فقد عزم السلطان «نورالدين» على إخراجه من مصر وعزله من الحكم بالقوة.

السبت، 11 يوليو 2015

عناقيد الغضب .. ( 24 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

المرتزقة وأصحاب المبدأ فى حلبة الاغتيال السياسى
تصف قصة مقتل القائد الصليبى «الماركيز كونراد» منهجية التعامل بين كل من شيخ الحشاشين بالشام «سنان» وصلاح الدين، فلم يكن صلاح الدين يتورع عن الاستعانة بالحشاشين، رغم عدائه وكيده لهم، ومحاربته لجماعتهم، حين كانت تقتضى المصلحة ذلك، وحين تتوافر الذريعة الأخلاقية التى تبرر التوجه نحوهم، ولم يكن شيخ الحشاشين يتلكأ عنه، ولكن طبقاً لحسابات المصالح أيضاً، وعندما طلب منه صلاح الدين قتل ملك «إنكلترا» وقتل «الماركيز»، قبل أن يقتل الثانى مقابل عشرة آلاف دينار، وضرب صفحاً عن قتل الأول، لأنه وجد فى قتل ريتشارد قلب الأسد تقوية ودعماً لصلاح الدين، وكسراً لشوكة الصليبيين، وكان يستوعب أن صلاح الدين الذى يطلب التعاون معه اليوم، سوف ينقلب عليه غداً إذا خلا وجهه من الفرنج، ليبدأ فى حربه. والمتأمل لطريقة اغتيال «الماركيز» على يد الحشاشين، يلاحظ إلى أى حد استفادت جماعة الشام من جماعة «آلموت» فى تخطيط وتنفيذ عمليات الاغتيال، فاحتالوا على قتله بالخدعة والتنكر فى صورة راهبين، وأطالا المكوث إلى جواره حتى اطمأن إليهما، ووثق بهما، وقتلاه بخطة محكمة.
نخلص مما سبق إلى أن «سنان» تعاون مع «صلاح الدين» فى إطار الممكن، ولم يستجب له فى الأمور التى تساهم فى التمكين له، لأنه كان يعلم أن صلاح الدين يمكن أن ينقلب عليه فى لحظة، ويبدو أن ذلك كان توجه «سنان» هو الآخر نحو صلاح الدين، إذا كان على استعداد للانقلاب عليه فى أى وقت، لأنه فى كل الأحوال لم ينس الدور الذى لعبه فى إنهاء تجربة المذهب الإسماعيلى بمصر، وإسقاط الدولة الفاطمية. الأمر الملفت فى القصة التى حكاها ابن الأثير حول مقتل «الماركيز» يرتبط بالعشرة آلاف دينار التى قبضها الشيخ «سنان» مقابل إرسال فرق اغتيالاته لتصفيته، ويبدو المال حاضراً بصورة كبيرة فى قصص الاغتيالات التى قام بها الحشاشون فى الشام تحت قيادة الشيخ «سنان».
وإذا كان المال فى قصة «الماركيز» قد دفعه صلاح الدين إلى «سنان»، فقد حكى ابن الأثير مواقف أخرى قبض فيها الحشاشون ثمن عمليات استهدفوا من ورائها اغتيال «صلاح الدين» نفسه، وقد تعددت محاولاتهم فى هذا السياق، وكان من أهمها محاولة قتله أثناء حصاره لمدينة حلب. يقول «ابن الأثير»: «لما ملك صلاح الدين حماة سار إلى حلب فحصرها، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح، وهو صبى عمره اثنتا عشر سنة، وجمع أهل حلب وقال لهم: قد عرفتم إحسان أبى إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم، وقال من هذا كثير وبكى فأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، واتفقوا على القتال دونه، والمنع عن بلده، وجدوا فى القتال، وفيهم شجاعة، وقد ألفوا الحرب واعتادوها، حيث كان الفرنج بالقرب منهم، فكانوا يخرجون ويقاتلون صلاح الدين عند جبل حوشن، فلا يقدر على القرب من البلد، وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية، وبذل له أموالاً كثيرة ليقتلوا صلاح الدين، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره، فلما وصلوا رآهم أمير اسمه خمارتكين، صاحب قلعة أبى قبيس، فعرفهم لأنه جارهم فى البلاد، وكثير الاجتماع بهم والقتال لهم، فلما رآهم قال لهم: ما الذى أقدمكم وفى أى شىء جئتم؟ فجرحوه جراحات مثخنة، وحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله، فقتل دونه، وقاتل الباقون من الإسماعيلية، فقتلوا جماعة ثم قُتلوا».
وأغلب الحكايات التى رواها «ابن الأثير» عن عمليات الاغتيال التى قام بها الحشاشون تجد المال حاضراً فيها بقوة، ويمثل الدافع الأول للقيام بالعملية، ويبدو أن الكثير من المؤرخين كان لديهم قناعة، أو أرادوا أن يرسخوا قناعة لدى قرائهم بأن الحشاشين لم يكونوا مدفوعين فيما قاموا به من عمليات اغتيال بمبدأ، قدر ما كانوا مدفوعين بالرغبة فى الحصول على المال، ويمكن أن يفهم هذا الأمر فى سياق الهوى المذهبى، ورغبة مؤرخى أهل السنة فى بناء صورة سلبية للحشاشين كجماعة تسعى وراء المال والسلب والنهب وليس المبدأ. ومسألة حصول المسئول عن إرسال فرق اغتيال على مال مقابل تنفيذ عملياته، أمر يتناقض ولا شك مع الإيمان بالمبادئ، ويُظهر الجماعة وكأنها مجموعة من المرتزقة، التى تتخذ من القتل والاغتيال وسيلة للتكسب والتربح، لكن ذلك لا يمنع أن الحصول على المال من جانب هذه الفرق قد يكون مبرره تمويل العمليات نفسها، وقد رأيت أن بعض العمليات استغرق تنفيذها عدة أشهر حتى تستطيع فرقة الاغتيالات النجاح فى تحقيق هدفها، كما حدث فى واقعة اغتيال «الماركيز»، أضف إلى ذلك أن ثمة عمليات اغتيال حاولها أو قام بها الحشاشون ولم يظهر فيها المال، بما فى ذلك محاولات اغتيال توجهت إلى الناصر صلاح الدين من جديد، فى المجمل العام نستطيع القول إن الحدود الفاصلة بين «الارتزاق» بالقتل، والقتل من أجل المبدأ، تكاد تذوب إلى حد كبير عندما ننظر إلى عمليات الاغتيال السياسى التى تقوم بها جماعات السيف، فكلاهما عامل يدفع فى اتجاه تنفيذ العمليات، وما أكثر ما يحاول جامعو الأموال فى الحياة التدثر بغطاء أخلاقى، يساعدهم على غسل أوحال تحصيل المال من القتل فى نهر الأخلاق!

عناقيد الغضب .. ( 23 ) ... بقلم الدكتور/ محمود خليل

( صلاح الدين ) يحرق بيوت وأولاد ( الشيعة السودان )
على يد صلاح الدين الأيوبى تم إعلان شهادة وفاة الدولة الفاطمية، لم يكن «صلاح الدين» بالطبع هو السبب الوحيد لسقوط هذه الدولة، إذ كانت توشك على السقوط بفعل عوامل مختلفة قبل وصول «الناصر»، لكنه لعب دوراً مباشراً مهماً فى تصفية المذهب الإسماعيلى فى مصر، واتخذ عدداً من القرارات والإجراءات التى أدت إلى محو المذهب والمعبرين عنه والمؤمنين به من الواقع المصرى، واعتمد فى ذلك على نائبه «قراقوش» وكان خصياً أبيض -كما يقول ابن الأثير- حل محل مؤتمن الخليفة العاضد، وكان «إسماعيلياً» من السودان (أى السود)، وقد حاول الانقلاب على صلاح الدين بالاستعانة بالفرنج، لكن الأخير تمكن من رقبته وقتله. يحكى ابن الأثير أنه لما قُتل مؤتمن الخلافة: «غضب السودان الذين بمصر لمقتله حميه، ولأنه كان يتعصب لهم، فحشدوا وأجمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألفاً، وقصدوا حرب الأجناد الصلاحية، فاجتمع العسكر أيضاً وقاتلوهم بين القصرين، وكثر القتل فى الفريقين، فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة، فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين، فركبهم السيف، وأخذت عليهم أفواه السكك، فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل، فأجيبوا إلى ذلك، فأخرجوا من مصر إلى الجيزة، فعبر إليهم وزير الدولة توارن شاه أخو صلاح الدين الأكبر فى طائفة من العسكر، فأبادهم بالسيف، ولم يبق منهم إلا القليل الشريد».
المواجهة التى وقعت بين صلاح الدين والشيعة «السودان» تمنحنا مؤشراً على أن القضاء على الإسماعيليين فى مصر لم يكن بالأمر السهل ولا اليسير، وأن القول بأن قرار صلاح الدين بقطع الخطبة للخليفة الفاطمى وعقدها للخليفة العباسى مر على مصر بسلام ولم ينتطح فيه عنزان تعوزه الدقة، وليس أدل على ذلك من تلك الواقعة الكبرى التى تقاتل فيها خمسون ألفاً من السودان الإسماعيلية مع جنود صلاح الدين، وانتهت بأن أحرق عليهم السلطان ديارهم بما فيها من مال وولد! وسلط عليهم نائبه «قراقوش» يعمل فيهم يد التعذيب والمطاردة، وكما هى عادتهم تعامل المصريون مع تسلط «قراقوش» بسلاح السخرية، فألفوا حوله العديد من الحكايات المضحكة التى تهزأ به، وتربط تسلطه بفرط غبائه وتغفيله، وهى الحكايات التى يجمعها كتاب: «الفاشوش فى أحكام وحكايات قراقوش» الذى ألفه «الأسعد بن مماتى»، ولعلك تعلم تلك المقولة التى تتردد على ألسنة الكثيرين عند الضجر من تسلط أو قهر أحد لهم، وتأخذ شكل السؤال: «حكم قراقوش يعنى؟»، وهو ما يمنحنا مؤشراً عن الدور الذى لعبه نائب السلطان صلاح الدين فى مطاردة وملاحقة المصريين ممن ظلوا على ولائهم للمذهب الإسماعيلى، وما زالت الذاكرة الجمعية تستدعيه حتى الآن فى المواقف المماثلة.
ولا خلاف على أن الدور الذى لعبه صلاح الدين فى مطاردة الإسماعيلية بمصر كان له صدى شديد السلبية لدى الحشاشين المؤمنين بمذهب «الإسماعيلية النزارية»، خصوصاً فى الشام، وهم فى كل الأحوال لم يغفروا له أنه لعب الدور المباشر فى إسقاط الخلافة الفاطمية فى مصر، لكن يبقى أن علاقة الحشاشين فى الشام تحت قيادة الشيخ «راشد الدين بن سنان» بصلاح الدين لم تكن تسير على وتيرة واحدة، بل كانت تتأرجح ما بين الصعود والهبوط، والصداقة والعداء، تبعاً للمصالح، فشأن القيادات التى تتمتع بالذكاء السياسى فى كل زمان ومكان، كان كل من «صلاح الدين» والشيخ «سنان» لا يجيدان سوى الحديث بلغة المصالح، فكانا يتقاربان حين تتفق المصالح، ويتنافران ويتعاديان حين تتفرق بهما سبلها، فأحياناً ما كان يتعاون الطرفان على عدو مشترك، حين يكون لهما مصلحة واحدة فى ذلك، وفى مواقف عديدة لجأ صلاح الدين إلى الحشاشين لتنفيذ بعض العمليات التى يعجز عنها جنوده، وكان «الحشاشون» لا يبطئون عنه، خصوصاً فى المواقف التى يتوحد فيها الطرفان أمام عدو مشترك، من النماذج على ذلك الموقف الذى يحكيه «ابن الأثير» حول مقتل عدد من القادة الصليبيين خلال الحرب التى استعرت بينهم وبين المسلمين، يقول ابن الأثير: «فى هذه السنة، فى ثالث عشر ربيع الآخر، قتل المركيس -يقصد الماركيز كونراد- الفرنجى، لعنه الله، صاحب صور، وهو أكبر شياطين الفرنج، وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسل مقدم الإسماعيلية، وهو سنان، وبذل له أن يرسل من يقتل ملك إنجلترا (يقصد ريتشارد قلب الأسد)، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار، فلم يمكنهم قتل ملك إنجلترا، ولم يره سنان مصلحة لهم، لئلا يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم، وشرِه فى أخذ المال، فعدل إلى قتل المركيس، فأرسل رجلين فى زى الرهبان، واتصلا بصاحب صيدا وابن بارزان، صاحب الرملة، وكانا مع المركيس بصور، فأقاما معهما ستة أشهر يظهران العبادة، فأنس بهما المركيس، ووثق بهما، فلما اطمأن لهما عمل الأسقف بصور دعوة للمركيس، فحضرها، وأكل طعامه، وشرب مدامه، وخرج من عنده، فوثب عليه الباطنيان المذكوران، فجرحاه جراحاً وثيقة، وهرب أحدهما، ودخل كنيسة يختفى فيها، فاتفق أن المركيس حمل إليها ليشد جراحه، فوثب عليه ذلك الباطنى فقتله، وقتل الباطنيان بعده».